الشيخ محمد آصف المحسني

224

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

وكثرت الأحاديث في القدرية . وعن شارح المقاصد : لا خلاف في ذم القدرية ، وقد ورد في صحاح الأحاديث لعن اللّه القدرية على لسان سبعين نبيا . . . الخ . فالمسألة متسالم عليها ، إلّا أن الكلام في تشخيصهم ، فإن كلّا من المعتزلة والأشاعرة ادّعى صاحبتهم مصداقا للروايات ، غير أن الرازي أراح الفرقتين من هذه المعضلة فقال في تفسيره الكبير : والحقّ أنّ القدري الذي نزل فيه الآية هو الذي ينكر القدر ويقول بأنّ الحوادث كلّها حادثة بالكواكب واتّصالاتها . . . الخ . وأمّا القدري في هذه الأمة فجعله الذي ينكر قدرة اللّه إن قلنا : إنّ النسبة للنفي ، أو الذي يثبت قدرة غير اللّه على الحوادث إن قلنا : إن لنسبة للإثبات . وقال أيضا : والحقّ الصراح أنّ كلّ واحد من المسلمين الذين ذهبوا إلى المذهبين خارج عن القدرية ، ولا يصير واحد منهم قدريا إلّا إذا صار النافي نافيا للقدرة والمثبت منكرا للتكليف ، يعني به الجبري الذي ينفي التكليف لعدم الاختيار في المكلف . هذا وقال العلامة المجلسي قدّس سرّه « 1 » : إنّ لفظ القدري يطلق في أخبارنا على الجبري وعلى التفويضي . . . الخ . وما ذكره صحيح فالقدرية كلّ من لم يستقم في قدرة اللّه وقدره سواء كان في جانب التفريط كالمفوضة ، أو في طرف الإفاط كأتباع الجهم ومقلّدي الأشعري . فإن قلت : القدري إذا كان لفظه من القدرة فهو يشمل الطائفتين المتقدّمتين ، فإن إحداهما تقول : بكفاية قدرة العبد في أفعاله وعدم إحتيجه فيها إلى اللّه تعالى ، وثانيتهما تقول بتأثير قدرة اللّه وحده وعدم استناد أفعال العباد إلى قدرتهم وإرادتهم . وأما إذا قلنا بأن لفظ القدري من القدر والتقدير الذي هو مع القضاء كما هو الظاهر فلا يرتبط بهاتين الطائفتين ، فإنهما لا ينكران تحديد الأشياء في اللوح ولا أن الجبر والتفويض يستلزمان ذلك ، كيف وذكر التقدير لا يزيد على علمه بالتقدير ؟ فكما أن الثاني لا ينافيهما فكذا الأول . قلت يمكن أن يقال : إن القدر والقدرة متلازمان في الإنكار والإفراط ، فإن هؤلاء يزعمون أن لقدر اللّه تأثيرا ، فإذا قالوا : إن أفعالنا ليست بقدرة اللّه بل بقدرتنا ، فمعناه أنّهم ينكرون تعلّق قدره بها أيضا ، وهكذا إذا قيل : إن كلّ شيء حتى أفعال الإنسان واقع بقدرة اللّه تعالى ، فلا بدّ لقائله أن يقول : إن كلّ شيء حتى فعل العبد واقع بقدره تعالى لا باختيار العبد ، وهذا هو التعدّي في قدر اللّه تعالى .

--> ( 1 ) البحار 5 / 5 .